ابن حجر العسقلاني
305
فتح الباري
قديمة أو حادثة وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك من متعلقاتها قال وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية وهل الروح قديمة أو حادثة والجواب يدل على أنها شئ موجود مغاير للطبائع والاخلاط وتركيبها فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث وهو قوله تعالى كن فكأنه قال هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه قال ويحتمل أن يكون المراد بالامر في قوله من أمر ربي الفعل كقوله وما أمر فرعون برشيد أي فعله فيكون الجواب الروح من فعل ربي وإن كان السؤال هل هي قديمة أو حادثة فيكون الجواب إنها حادثة إلى أن قال وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها أه وقد تنطع قوم فتباينت أقوالها فقيل هي النفس الداخل والخارج وقيل الحياة وقيل جسم لطيف يحل في جميع البدن وقيل هي الدم وقيل هي عرض حتى قيل إن الأقوال فيها بلغت مائة ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمسة أرواح وأن لكل مؤمن ثلاثة ولكل حي واحدة وقال ابن العربي اختلفوا في الروح والنفس فقيل متغايران وهو الحق وقيل هما شئ واحد قال وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس كما يعبر عن الروح وعن النفس بالقلب وبالعكس وقد يعبر عن الروح بالحياة حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء بل إلى الجماد مجازا وقال السهيلي يدل على مغايرة الروح والنفس قوله تعالى فإذا سويته ونفخت فيه من روحي وقوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر ولولا التغاير لساغ ذلك ( قوله فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم ) في رواية الكشمهيني عليه بالافراد وفي رواية العلم فقام متوكئا على العسيب وأنا خلفه ( قوله فعلمت أنه يوحى إليه ) في رواية التوحيد فظننت أنه يوحى إليه وفي الاعتصام فقلت إنه يوحى إليه وهي متقاربة وإطلاق العلم على الظن مشهور وكذا إطلاق القول على ما يقع في النفس ووقع عند ابن مردويه من طريق ابن إدريس عن الأعمش فقام وحنى من رأسه فظننت أنه يوحى إليه ( قوله فقمت مقامي ) في رواية الاعتصام فتأخرت عنه أي أدبا معه لئلا يتشوش بقربي منه ( قوله فلما نزل الوحي قال ) في رواية الاعتصام حتى صعد الوحي فقال وفي رواية العلم فقمت فلما انجلى ( قوله من أمر ربي ) قال الإسماعيلي يحتمل أن يكون جوابا وأن الروح من جملة أمر الله وأن يكون المراد أن الله اختص بعلمه ولا سؤال لاحد عنه وقال ابن القيم ليس المراد هنا بالامر الطلب اتفاقا وإنما المراد به المأمور والامر يطلق على المأمور كالخلق على المخلوق ومنه لما جاء أمر ربك وقال ابن بطال معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه بدليل هذا الخبر قال والحكمة في إبهامه اختبار الخلق ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه وقال القرطبي الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب الأولى وجنح ابن القيم في كتاب الروح إلى ترجيح أن المراد بالروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا قال وأما أرواح بني آدم فلم يقع تسميتها في القرآن الا نفسا كذا قال ولا دلالة في ذلك لما رجحه بل الراجح الأول فقد أخرج الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس في هذه القصة أنهم قالوا عن الروح وكيف يعذب الروح الذي في الجسد وإنما الروح من الله فنزلت